محمد بن جرير الطبري
115
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في البلاد المعاصي ، وركوب ما حرم الله عليهم يقول تعالى ذكره : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ فأنزل بهم يا محمد ربك عذابه ، وأحل بهم نقمته ، بما أفسدوا في البلاد ، وطغوا على الله فيها . وقيل : فصب عليهم ربهم سوط عذاب وإنما كانت نقما تنزل بهم ، إما ريحا تدمرهم ، وإما رجفا يدمدم عليهم ، وإما غرقا يهلكهم ، من غير ضرب بسوط ولا عصا ، لأنه كان من أليم عذاب القوم الذين خوطبوا بهذا القرآن ، الجلد بالسياط ، فكثر استعمال القوم الخبر عن شدة العذاب الذي يعذب به الرجل منهم ، أن يقولوا : ضرب فلان حتى بالسياط ، إلى أن صار ذلك مثلا ، فاستعملوه في كل معذب بنوع من العذاب شديد ، وقالوا : صب عليه سوط عذاب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : سَوْطَ عَذابٍ قال : ما عذبوا به . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ قال : العذاب الذي عذبهم به سماه : سوط عذاب . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ، ولضربائهم من أهل الكفر به ، لبالمرصاد يرصدهم بأعمالهم في الدنيا وفي الآخرة ، على قناطر جهنم ، ليكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة . واختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : معنى قوله : لَبِالْمِرْصادِ بحيث يرى ويسمع . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يقول : يرى ويسمع . وقال آخرون : يعني بذلك أنه بمرصد لأهل الظلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن المبارك بن مجاهد ، عن جويبر ، عن الضحاك في هذه الآية ، قال : إذا كان يوم القيامة ، يأمر الرب بكرسيه ، فيوضع على النار ، فيستوي عليه ، ثم يقول : وعزتي وجلالي ، لا يتجاوزني اليوم ذو مظلمة ، فذلك قوله : لَبِالْمِرْصادِ حدثنا ابن حميد قال : ثنا الحكم بن بشير ، قال : ثنا عمرو بن قيس ، قال : بلغني أن على جهنم ثلاث قناطر : قنطرة عليها الأمانة ، إذا مروا بها تقول : يا رب هذا أمين ، يا رب هذا خائن ؛ وقنطرة عليها الرحم ، إذا مروا بها تقول : يا رب هذا واصل ، يا رب هذا قاطع ؛ وقنطرة عليها الرب إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ حدثنا ابن حميد قال : حدثنا مهران ، عن سفيان إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يعني : جهنم عليها ثلاث قناطر : قنطرة فيها الرحمة ، وقنطرة فيها الأمانة ، وقنطرة فيها الرب تبارك وتعالى . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ قال : مرصاد عمل بني آدم . وقوله : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ يقول تعالى ذكره : فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والغنى فَأَكْرَمَهُ بالمال ، وأفضل عليه ، وَنَعَّمَهُ بما أوسع عليه من فضله فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فيفرح بذلك ، ويسر به ويقول : ربي أكرمني بهذه الكرامة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وحق له . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا وقوله : وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ يقول : وأما إذا ما امتحنه ربه بالفقر فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ يقول : فضيق عليه رزقه وقتره ، فلم يكثر ماله ، ولم يوسع عليه فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ يقول : فيقول